محمد بن جعفر الكتاني

346

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

[ 312 - سيدي علي اللجائي ] وترجم في " أنس الفقير " لرجل من أهل فاس يقال له : سيدي علي اللجائي ؛ فقال : « ورأيت منهم - يعني من الصالحين بفاس - الشيخ الصالح أبا الحسن عليا اللجائي ، ولي به معرفة ويفتقدني ، ويسأل عن حالي كثيرا ، وهو ألين الفقراء معاملة ، وأعذبهم كلاما ، إذا جلست معه لا تريد أن تفارقه ، وله سعي في حوائج المسلمين ، وتفريق في الصدقات على الفقراء والمساكين ، وكان يأخذ في إيصال الحقوق ونصر المظلوم ، ويدعى له الغريم كما يدعى إلى الحاكم ، ولا يتخلف بوجه ، والعلماء ينتابونه - أي : يرجعون إليه مرة بعد أخرى - وكان يجري على المحتاجين منهم النفقة المرتبة اليومية » . « قلت لبعض الصالحين : من أين عيشك ؟ ، فقال لي : من نفقة أجراها لي اللجائي ، يأتي بها في عشية كل يوم . وكذلك كان مع غيره ويوفى بما يلتزم في ذلك ، وييسر اللّه له في قصده ، وما زال يعين من احتاج منهم إلى التزويج . وصناعته : الخياطة ، وكان كثيرا ما يحبس الأجباء » . « ولباسه : جبة صوف أبيض إلى أنصاف ساقيه ، وله مجاهدة وعبادة ، وإذا رأيته تعرفه بسيمته ، وكان يمشي في بعض الأوقات حافيا في الطين في حوائج الناس ، أو في تغيير منكر ، ويدخل مجالس الأمراء بحالته ، فإذا قضى حاجته ؛ غسل رجليه وانتعل . وكان محسودا فيما سناه اللّه له من طاعة الأمراء ، وخضوع الوزراء ، مقولا فيه كثيرا بسبب ذلك ، ضاعف اللّه أجره ونفع به » . ه . ولم أدر هل اللجائي المذكور مع صاحب الترجمة واحد من هؤلاء أو هو رجل آخر ؟ . ورأيت في بعض الطرر أنه ذكره صاحب " السلسل العذب " ، و " ابن القاضي " ، والذي ترجم له صاحب " السلسل العذب " هو الأخير المترجم له في " أنس الفقير " ؛ ونصه : « ومن الطبقة الثانية : الشيخ المتحقق المتواضع ، الحسن الهدي الخائف الخاشع ، الناسك المبارك ؛ أبو الحسن اللجائي ، تلميذ الشيخ أبي عبد اللّه الحلفاوي ، وأحد أعلام مشاهير الوقت ، والظاهرين بطريقة الخير ، المنتصبين لأفعال البر ، لقي عدة من الأكابر وفضلاء المشايخ ؛ مثل : الشيخ الزيات شيخ شيخه الحلفاوي ونظرائه ، ومن كان في وقته . فاقتبس من أنوارهم ، واستفاد من فوائدهم ، وتأدب من آدابهم ، وانتفع بخدمتهم وموالاتهم ، وظهر عليه ما نال من بركاتهم . فما زال بعد مثابرا على الخير ملازما لطريقة البر مشتغلا بزكاة نفسه وطهارة قلبه حافظا لكتاب اللّه عزّ وجل ، [ 305 ] وكانت له بداية اجتهادية ، وحالة مرضية » . « فمن ذلك ؛ أنه كان يجلس بعد صلاة الصبح ذاكرا اللّه تعالى ، متوجها في المسجد ، فلا يزال على حالته تلك إلى وقت الزوال ، فإذا رام القيام ؛ يؤثر الحصير في لباسه ، وكان - مع ذلك - شديد الخدمة لشيخه ، كثير المراقبة لأحواله ، دائم الملازمة له ، وسلك نوعا من طريقته في القيام على مصالح المسلمين ، والنظر في أحوال المساكين ، والوساطة في الصدقات عليهم ، والمبالاة بأمرهم ، وله في حسن المحاولة في صلاح ذات البين بين الناس قدم ، وفي زوال الشحناء والتباغض بينهم » . . . واللّه أعلم .